ابو جعفر محمد جواد الخراساني

250

هداية الأمة إلى معارف الأئمة

وهو مباين لكلّ ما خلق * ذاتا فكان واجبا أن يفترق فالخلق محدود بحدّ ظاهر * واللّه حيث لم يحدّ ، لم يبصر بل كان ربّا حادّا وخالقا * والرب والمربوب قد تفارقا فهو إذن بذاته قد احتجب * عن خلقه لا بحجاب يحتجب لم يستتر كالخلق بالحجاب * بحيلة أو ستر أو بباب وليس باحتجابه لن يدركا * من يعرف اللّه كذاك اشركا تفسير الآية ، فلا بدّ من حمل الأولى على تفسير الظاهر ، وهذه على تفسير الباطن ؛ أو نقول : إنّ الأبصار في الآية ، لم يرد بها إلّا الأوهام بمقتضى هذه الأخبار ، وامّا التمثّل بها أو الاستدلال بها ، لنفي الرّؤية بأبصار العيون ، فليس على الدلالة المطابقيّة والمعنى المطابقي ، بل على الدلالة الالتزاميّة ، يعنون أنّه إذا لم يدركه ابصار الأوهام فكيف بأبصار العيون ؟ وأيضا هو تعالى ، مباين لكلّ ما خلق ذاتا ، فإنّ ذاته وحقيقته ، ليست من سنخ ذواتهم وحقائقهم ، كما يأتي تحقيقه ، خلافا للفلاسفة والعرفاء ، فكان واجبا أن يفترق في الصفات فما هو من صفات المحدثات المخلوقات بما هي محدثات ، لا يمكن أن تكون صفة للقديم . فالخلق محدود بحدّ ، ظاهر ، مشهور ، فلذلك تجوز عليهم الرؤية لمحدوديّتهم ، واللّه حيث لم يحدّ ، لم يبصر ، بل هو تعالى ، كان ربّا حادّا وخالقا ، والرب والمربوب قد تفارقا في الخواصّ . فعن الرضا ( ع ) في جواب بعض الزنادقة حيث قال : فلم لا تدركه حاسّة البصر ؟ قال ( ع ) : « للفرق بينه وبين خلقه الّذين تدركهم حاسّة الأبصار ؛ ثمّ هو اجلّ من أن تدركه الأبصار أو يحيط به وهم أو يضبطه عقل » « 1 » . وقال ( ع ) : « ولا يحجبه الحجاب ، فالحجاب بينه وبين خلقه لامتناعه ممّا يمكن في ذواتهم ، ولإمكان ذواتهم ممّا يمتنع منه ذاته ، ولافتراق الصّانع والمصنوع . والربّ والمربوب والحادّ والمحدود » « 2 » . فهو تعالى إذن ، بذاته قد احتجب عن خلقه عن ادراكهم له ؛ يعني أنّ ذاته حاجب له عنهم ، لا بحجاب يحتجب ، فهو لم يستتر كالخلق بالحجاب ، بحيلة ، أو ستر ، أو بباب .

--> ( 1 ) . البحار 3 : 15 / 1 . ( 2 ) . المصدر 4 : 284 / 17 .